محمد سعيد رمضان البوطي

218

فقه السيرة ( البوطي )

وتساقطت أظافرهم مما اصطدمت بالحجارة والصخور ، وتعرّت أقدامهم فلم يجدوا إلا الخرق يلفونها عليها الواحدة فوق الأخرى ! ! . . ومع ذلك فما ضعفوا وما استكانوا واستهانوا بكل ذلك في جنب عظم المسؤولية الإلهية الملقاة على أعناقهم منذ أن أصبحوا مسلمين ، فقد كانوا يتمثلون قول اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [ التوبة : 111 ] ، وهو نص البيعة التي وافقوا عليها وأخذوا أنفسهم بها . ثم إنك ترى أن أبا موسى الأشعري رضي اللّه عنه ، كره من نفسه أن أباح بهذا الخبر ، بعد أن أفلت من فمه ، عندما سألوه عن سبب تسمية هذه الغزوة بذات الرقاع . . وإنما كره ذلك وندم عليه بسبب أنه أفشى شيئا من عمله الذي احتسب أجره عند اللّه تعالى . وهذا يدل ، كما يقول الإمام النووي ، على أنه يستحب للمسلم أن يخفي أعماله الصالحة وما قد يكابده من المشاقّ في طاعة اللّه تعالى ، وإن لم يتعمّد إظهار شيء من ذلك إلا لمصلحة ، مثل بيان حكم ذلك الشيء والتنبيه على الاقتداء به ونحو ذلك ، وعلى مثل هذا يحمل ما وجد للسلف من الإخبار ببعض أعمالهم « 1 » . ثانيا : الطريقة التي صلى بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جماعة من أصحابه في هذه الغزوة ، هي الأساس الذي قامت عليه مشروعية صلاة الخوف . ولصلاة الخوف كيفيتان ، إحداهما خاصة بأن يكون العدو في جهة القبلة ، الثانية خاصة بأن يكون العدو في غير جهتها ، والكيفية الثانية هي التي صلى بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع ، فقد حان وقت الصلاة ، وأشتات العدو من حول المسلمين في أكثر من جهة القبلة وحدها ، ويخشى أنهم يراقبون المسلمين من بعد ، حتى إذا رأوهم أدبروا عنهم جميعا وانشغلوا بصلاتهم غدروا بهم وانحطوا فيهم بسيوفهم . فبدأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الصلاة مع فرقة من أصحابه ، وإخوانهم يراقبون العدو في جهاته المختلفة ، حتى إذا أتم الرسول صلى اللّه عليه وسلم من صلاته نصفها ، أي ركعة واحدة ، فارقه من كانوا يصلون خلفه وأسرعوا فأتموا الركعة الثانية وحدهم ، والرسول واقف في صدر ركعته الثانية ، ثم ذهبوا ليرابطوا مكان إخوانهم ، حيث جاء هؤلاء فاقتدوا به صلى اللّه عليه وسلم فصلى

--> ( 1 ) انظر النووي على صحيح مسلم : 12 / 197 و 198 .